محمد بن وليد الطرطوشي
66
سراج الملوك
وقال عبد الله بن المعتز « 1 » : نسير إلى الآجال في كلّ ساعة * وأيّامنا تطوى وهنّ مراحل « 2 » ولم أر مثل الموت حقّا كأنّه * إذا ما تخطّته الأماني باطل وما أقبح التفريط في زمن الصّبا * فكيف به والشّيب في الرّأس شاعل ترحّل من الدّنيا بزاد من التّقى * فعمرك أيّام تعدّ قلائل ولما دخل أبو الدرداء « 3 » . الشام قال : يا أهل الشام ، اسمعوا قول أخ لكم ناصح ، فاجتمعوا عليه ، فقال : مالي أراكم تبنون ما لا تسكنون ، وتجمعون ما لا تأكلون ، إنّ الذين كانوا قبلكم ، بنو مشيدا « 4 » ، وأمّلوا بعيدا ، وجمعوا كثيرا ، فأصبح أملهم غرورا ، وجمعهم ثبورا « 5 » ، ومساكنهم قبورا . وروى الجاحظ « 6 » قال : وجد مكتوبا على حجر : ابن آدم ، لو رأيت يسير ما بقي من أجلك ، لزهدت في طول ما ترجو من أملك ، ولرغبت في الزيادة من عملك ، ولقصّرت من حرصك وحيلك ، وإنما يلقاك غدا ندمك ، لو قد زلّت بك قدمك ، وأسلمك أهلك وحشمك ، وتبرّأ منك القريب ، وانصرف عنك الحبيب ، فلا أنت في عملك زائد ، ولا إلى أهلك عائد . وقال مالك بن أنس « 7 » : بلغني أن امرأتين أتتا عيسى عليه السلام ، فقالتا : يا روح الله ، ادع الله لنا أن يخرج لنا أبانا ، فإنه هلك ونحن غائبتان عنه ، قال : تعرفان قبره ؟ فقالتا : نعم . فذهب معهما فأتيا قبرا ، فقالتا : هذا هو . فدعا الله ، فأخرج
--> ( 1 ) عبد الله بن المعتز : هو عبد الله بن محمد « المعتز بالله » ابن جعفر « المتوكل على الله » ابن محمد « المعتصم بالله » ابن هارون الرشيد ، شاعر مبدع وخليفة يوم وليلة حيث آلت إليه الخلافة لمدة يوم وليلة ، لكن الجند استصغروه حيث بويع وله من العمر 13 سنة ، ولقب بالمرتضى ، ولكن أنصار المقتدر جمعوا صفوفهم في اليوم الثاني للبيعة واخرجوا المقتدر من السجن ، ثم أخذوا عبد الله بن المعتز وعذبوه حتى مات سنة 296 ه . ( الأعلام - الزركلي ، ج 4 / 118 ) . ( 2 ) المراحل : جمع مرحلة ، وهي المسافة التي يقطعها المسافر في يومه . ( 3 ) أبو الدرداء : عويمر بن مالك بن قيس بن أمية الأنصاري الخزرجي ، صحابي من رواة الحديث ، ومن الحكماء الفرسان قاضي دمشق في عهد عثمان ، توفي سنة 32 ه . ( الأعلام 5 / 95 ) . ( 4 ) المشيد والمشيّد بمعنى واحد : المجصّص بالشّيد ( تاج العروس ، باب : شيد ) . ( 5 ) الثبور : الهلاك والويل . ( 6 ) الجاحظ : وهو أبو عثمان عمرو بن بحر ، كبير أئمة الأدب ورئيس الفرقة الجاحظية من المعتزلة ، وله في كل فن تصنيف ، ولد ومات بالبصرة ، قيل : أن الذي قتله مجلدات من الكتب وقعت عليه فمات ، وذلك سنة 255 ه . ( الأعلام 5 / 74 ) . ( 7 ) مالك بن أنس : إمام دار الهجرة ، سبقت ترجمته .